
سيطرت ابتسامة عريضة على الفتاة هويدا قاسم ( 22 عاماً) التي تعاني من شلل نصفي وهي تعرض ما أنتجته إبرتها الصغيرة من مطرزات يدوية في معرض أقيم خصيصاً للمعاقين في مدينة غزة، مؤكدة أن إعاقتها لن تقف حائلاً دون تحقيق ما تتمناه في حياتها.
وحاولت قاسم التي كانت تجلس على كرسي متحرك أن تجسد بأعمالها نوعاً من إبداعاتها الجميلة التي صنعتها بيدها وولدت لديها حافزاً للإبداع والتميز رغم إعاقتها.
وقالت بابتسامة رقيقة رُسِمَتْ على مُحَيَّاهَا:" بالإرادة نصنع المعجزات ونحقق ما نصبو إليه، فإعاقتي لن تقف حائلاً دون تحقيق ما أتمناه في حياتي ".
وأضافت لـ"صفا": "لقد جئت اليوم كي أشارك بإبداعاتي، وذلك من خلال عرض كافة الأشغال اليدوية التي قمت بتطريزها بنفسي، فمنذ صغري ولديَّ هواية التطريز اليدوي".
وانطلقت فعاليات الملتقي الإبداعي الخامس الذي نظمته الكلية الجامعية تحت شعار "إعاقتي ليست عائقي"، وذلك بمشاركة العديد من المؤسسات الأهلية التي تعني بالمعاقين من خلال عرض إبداعاتهم ومنتجاتهم.
وتابعت قاسم "رغم أنني أعاني من شلل دماغي في الأطراف السفلي من أرجلي منذ ولادتي إلا أنني تمكنت من تخطي هذه الإعاقة والمشاركة في مؤسسة فلسطين المستقبل للطفولة، حيث تعلمت هناك مهنة التطريز بكافة أشكالها وأبدعت فيها، كما شاركت في العديد من المعارض التي تعني بنا كمعاقين".
وطالبت قاسم كافة المعنيين والجهات الداعمة للمعاقين بالعمل على تسويق منتجاتهم وإبداعاتهم كي يشعروا بأنهم أناس يستطيعون أن ينتجوا وأن يستفيدوا من تلك المنتجات مادياً، لا أن يقتصروا على المشاركة فقط في المعارض التي تنظمها بعض المؤسسات والجمعيات.
وبلغت نسبة المعاقين في المجتمع الفلسطيني 4%، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، حيث يعاني هؤلاء المعاقين من عدم توفر احتياجاتهم الأساسية وأدواتهم العلاجية نتيجة استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام.
المتجوِّل في زاويا معرض منتجات وإبداعات المعاقين، يرى المنسوجات المطرزة بالثوب الشعبي والمفارش والشنط وعلب "ورق المحارم"، والكراسي والأسرة والسلال المتقنة الغزل والمصنوعة من الخيزران، كما يرى الأعمال اليدوية المصنوعة من الفخار والسيراميك، والزهريات المعقبة بالورود وبأحجامها المختلفة وغير ذلك.
ويجد المتابع في هذه الإبداعات نوعاً من التميُّز التي لم يختص به الأصحاء وحدهم، كما يجد نوعاً من الإرادة والعزيمة على تخطي الإعاقة.
كانت تجلس على كرسي متحرك داخل أروقة المعرض، وهي تنظر إلى منتجاتها وأعمالها التي صنعتها بيدها كي تثبت للجميع أنها قادرة على تخطي إعاقتها وعجزها عن الحركة كبقية المواطنين، إنها المعاقة مها النديم (42عاماً) التي تعاني من شلل رباعي منذ كان عمرها أربعة عشر عاماً حينما كانت في الصف الثاني الإعدادي.
وقالت النديم لـ"صفا": "رغم إعاقتي إلا أنني أستطيع أن أمارس حياتي بشكل طبيعي، فالإعاقة مثَّلت بالنسبة لي حافزاً لكي أبدع وأتميَّز وأحقّق طموحاتي وأحلامي، فهوايتي هي التطريز وإتقان كافة الأشغال اليدوية، حيث تعلمت التطريز الفلاحي بكافة تصاميمه".
وأضافت "أصبحت اليوم أمارس مهنة التطريز على الحقائب وقطع القماش وعمل أشكال مختلفة كالتطريز على شكل "صواني وبراويز" تمثل واقعنا الذي نعيشه بفعل الاحتلال الإسرائيلي والحصار الظالم"، مشيرة إلى أنها أبدعت في هذا المجال، حيث شاركت في العديد من المعارض.
وتصف شعورها وهي تنجز هذه الأعمال قائلة: "أكون في قمة السعادة والفرح كوني أعتمد على نفسي دون مساعدة الآخرين"، عادة مشاركتها في هذا المعرض بأنها تمثل لها أهمية بالغة في حياتها، حيث تدفعها إلى الإبداع أكثر وتساعدها على الإنجاز وتحدي كافة المعيقات التي تواجهها.
وطالبت النديم بتوفير كرسي كهربائي متحرك لها بدلا عن القديم الذي دمرته قوات الاحتلال خلال الحرب الأخيرة على غزة، والعمل على تسويق منتجاتهم كمعاقين من خلال إقامة معرض دائم خاص بإبداعات ومنتجات المعاقين، وأن يكون لهم مكان خاص فيه يتمكنوا من خلاله من إبراز إبداعاتهم الجميلة.
ويتمنَّع المعاق الفلسطيني أن يكون عالة على المجتمع، ويصرّ أن يكون إنساناً طبيعياً كغيره من الأصحاء، له حقوق وعليه واجبات، يستطيع من خلالها أن يبدع وأن ينتج في مجالات مختلفة تجعله إنساناً له وزنه وقيمته داخل المجتمع رغم إعاقته الحركية أو السمعية أو البصرية.
وما يشدّ انتباهك أكثر خلال مشاهدتك لما يتضمّنه المعرض هو مدى الدقّة والمهارة التي تحملها كل قطعة تم تطريزها أو إنتاجها على أيدي هؤلاء المعاقين، كما تلاحظ علامات من الدهشة والاستغراب على وجوه الوافدين للمعرض من قدرة هؤلاء المعاقين على الإنتاج والإبداع.
وقالت وفاء مناع (35عاماً) وهي مدرسة في مؤسسة فلسطين المستقبل: "إن مؤسساتها تقوم بتدريب المعاقين في مجالات مختلفة كتعلم التطريز والخياطة والتفصيل الرسم والخزف وجميع أشكال الفنون والسيراميك، وكذلك الحدادة والنجارة وغيرها".
وأوضحت أن المؤسسة تتعامل مع المعاقين الموجودين بداخلها بنوع من الحب والتفاهم، حيث تقوم بتثقيفهم وتأهيلهم بحيث يكونوا قادرين على تخطي إعاقتهم والعمل على دمجهم داخل المجتمع، وكي يعتمدوا على أنفسهم حتى لا يكونوا عالة على أحد.
وأضافت مناع "إننا نؤهل هؤلاء المعاقين ليكونوا منتجين قادرين على العطاء من خلال إبراز إبداعاتهم ومنتجاتهم بالمشاركة في المعارض والعمل على بيعها خارج المؤسسة للاستفادة منها مادياً، وكي يتمكّن المعاق من الاعتماد على نفسه وإظهار كفاءته وأنه قادر على الإنجاز والإبداع رغم الإعاقة".
وأشارت إلى أن مؤسستها تنظم العديد من الندوات والورشات التثقيفية للمعاقين وذويهم، كما أنها تنمي قدراتهم وكفاءاتهم، موضحة أن المعاقين بحاجة لدعم نفسي ومعنوي ومادي كي يتخطوا أزمتهم وإعاقتهم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق